أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

128

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

[ وانظر إلى قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ، فافهم قوله عليه الصلاة والسلام فهجرته إلى ما هاجر إليه ، وتأمل هذا الأمر إن كنت ذا فهم ، والسلام ] . قلت : الهجرة هي الانتقال من وطن إلى وطن آخر بحيث يهجر الوطن الذي خرج منه ويسكن الوطن الذي انتقل إليه ، وهي هنا من ثلاثة أمور : من وطن المعصية إلى وطن الطاعة ، ومن وطن الغفلة إلى وطن اليقظة ، ومن وطن عالم الأشباح إلى وطن عالم الأرواح ، أو تقول : من وطن الملك إلى وطن الملكوت ، أو من وطن الحس إلى وطن المعنى ، أو من وطن علم اليقين إلى عين اليقين أو حق اليقين . فمن هاجر من هذه المواطن قاصدا بهجرته الوصول إلى رضا اللّه ورسوله ، أو الوصول إلى معرفة اللّه ورسوله فهجرته موصلة إلى اللّه ورسوله على حسب قصده وهمته ، ومن كانت هجرته إلى حظوظ نفسه وهواه فقد خاب قصده ومسعاه ، وغاية هجرته ما هاجر إليه ، وكانت هجرته زيادة في جر الوبال إليه فافهم أيها السامع قوله عليه السلام : « فهجرته إلى ما هاجر إليه « 1 » » . وتدبر واعرضه على قلبك ونفسك ، وانظر هل فيك بقية من الالتفات إلى ما هاجرت منه ، أو فيك حظ سوى ما هاجرت إليه من رضوان اللّه ورسوله ، أو معرفة اللّه ورسوله ، فإن اللّه غيور لا يحب لمن طلبه أن يطلب معه سواه ، ولن يوصل إليه من بقي فيه بقية من حظه وهواه . قال الششتري رضي اللّه تعالى عنه : أن ترد وصلنا فموتك شرط * لا ينال الوصال من فيه فضله وقال أيضا :

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 30 ) ، ( 3 / 1416 ) ، والترمذي ( 4 / 179 ) ، والنسائي في الكبرى ( 3 / 361 ) ، وأحمد ( 1 / 25 ) .